ابن ميثم البحراني

76

شرح نهج البلاغة

يحدّثنا ونحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنّه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلا باللَّه عن كلّ شيء . وكان علىّ عليه السّلام إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلوّن فيقال له : مالك يا أمير المؤمنين فيقول : جاء وقت أمانة عرضها اللَّه على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ، وكان عليّ بن الحسين عليهما السّلام إذا حضر للوضوء اصفرّ لونه فيقول أهله : ما هذا الَّذي يعتادك عند الوضوء فيقول : ما تدرون بين يدي من أقوم . وكلّ ذلك إشارة إلى استحضار عظمة اللَّه والالتفات إليه حال العبادة والانقطاع عن غيره ، وأمّا ما يخصّها من الأسرار فقد علمت أنّ الصلاة ليس إلَّا ذكر وقراءة وركوع وسجود وقيام وقعود : أمّا الذكر فظاهر أنّه محاورة ومناجاة للَّه تعالى وغايتها استلزام الالتفات إليه ، وتذكَّر ما ينجذب القوى الشيطانيّة تحت قياد العقل ويستمرّ تعوّدها بذلك وهو المقصود من القراءة والأذكار والحمد والثناء والتضرّع والدعاء ، وليس المقصود منه الحرف والصوت امتحانا للَّسان بالعمل وإن حصلت الغفلة فإنّ تحريك اللسان بالهذيان خفيف على الإنسان لا كلفة فيه من حيث إنّه عمل ، وسنبيّن حال الذكر وفضيلته وفائدته في موضع أليق به إنشاء اللَّه تعالى ، وأمّا الركوع والسجود والقيام والقعود فالغرض بها التعظيم للَّه تعالى المستلزم للالتفات إليه وذكره أيضا . إذ لو جاز أن يكون معظَّما للَّه بفعله وهو غافل عنه لجاز أن يعظَّم صنما موضوعا بين يديه وهو غافل عنه ، ويؤيّد ذلك ما روى عن معاذ بن جبل من عرف من على يمينه وشماله متعمّدا في الصلاة فلا صلاة له ، وقال عليه السّلام : إنّ العبد ليصلَّى الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها وإنّما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها ، ولمّا عرفت أنّ الأصل من أركانها هو الالتفات إلى اللَّه تعالى فاعلم أنّ الالتفات إليه مستلزم للتذكَّر والتفهّم لأنّ الالتفات إليه إنّما يراد لمطالعة كبريائه وعظمته ، والمطالعة ليس إلَّا الفكر الَّذي هو عين البصيرة وحدقة العقل الإنسانيّ . ثمّ إنّ التذكَّر والتفهّم مستلزم للتعظيم فإنّ مطالعة عظمة اللَّه أعظم من أن لا يعظَّمها العارف بها ، والتعظيم مستلزم للخوف والرجاء فإنّا نجد عند تصوّر عظمة ملك من ملوك الدنيا وجدانا ضروريّا أنّا